أبو ريحان البيروني
17
القانون المسعودي
أهل الرّستاق " 1 " يعني أنّه من برّا البلد . ومات السلطان محمود بن سبكتكين في سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة ، وأبو الرّيحان حيّ بغزنة . وجدت كتاب تقاسيم الأقاليم تصنيفه وخطّه وقد كتبه في هذا العام . ذكره محمّد بن محمود النّيسابوري فقال : له في الرّياضيّات السّبق الذي لم يشقّ المحضرون " 2 " غباره ، ولم يلحق المضمرون " 3 " المجيدون مضماره ، وقد جعل اللّه الأقسام الأربعة له أرضا خاشعة سحت له لواقح " 4 " مزنها ، واهتزّت به يوانع نبتها ، فكم مجموع له على روض النّجوم ظلّه ، ويرفرف على كبد السّماء طلّه . وبلغني أنّه لمّا صنّف القانون المسعودي أجازه السلطان بحمل فيل من نقده الفضّيّ ، فردّه إلى الخزانة بعذر الاستغناء عنه ، ورفض العادة في الاستغناء به . وكان - رحمه اللّه - مع الفسحة في التّعمير وجلالة الحال في عامّة الأمور مكبّا على تحصيل العلوم منصبّا إلى تصنيف الكتب ، يفتح أبوابها ، ويحيط بشواكلها وأقرابها " 5 " ولا يكاد يفارق يده القلم ، وعينه النّظر ، وقلبه الفكر إلّا في يومي النّيروز والمهرجان من السنة لإعداد ما تمسّ إليه الحاجة في المعاش من بلغة الطعام وعلقة الرياش ، ثمّ هجّيراه في سائر الأيّام من السّنة علم يسفر عن وجهه قناع الإشكال ، ويحسر عن ذراعيه كمام الإغلاق . حدّث القاضي كثير بن يعقوب البغدادي النّحوي في السّتور عن الفقيه أبي الحسن عليّ بن عيسى الولوالجيّ " 6 " قال : دخلت على أبي الرّيحان وهو يجود بنفسه قد حشرج نفسه " 7 " وضاق به صدره فقال لي في تلك الحال : كيف قلت لي يوما حساب الجدّات الفاسدة " 8 " ؟ فقلت له إشفاقا عليه : أفي هذه الحالة ؟ قال لي يا
--> ( 1 ) الرستاق : السواد والقرى . ( 2 ) المحضرون : الذين يحضرون أفراسهم أي يجهدونها في العدو لتصل إلى الحضر منه لتسبق في المضمار . ( 3 ) المضمرون : الذين يضمرون خيلهم أي يقللون علفها فتصير ضامرة ليرتفع عدوها فتحوز السبق في المضمار . والمضمار : الموضع الذي تضمر فيه الخيل ، وغاية الفرس في السباق . ( 4 ) الريح اللاقحة : التي تحمل ماء المزن " السحاب " إلى الأرض الجرز فتنبت . ( 5 ) الشواكل : جمع شاكلة ، وهي من الفرس الجلد بين عرض الخاصرة والركبة ، والأقراب : جمع قرب بضم فسكون وبضمتين ، وهو من الشاكلة إلى مراق البطن . ( 6 ) نسبة إلى ولوالج : مدينة بطخارستان . ( 7 ) أي تردد في ضيق . ( 8 ) الجدات الفاسدة : التي من قبل الأم .